منتديات الثقافة الإسلامية العالمية
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني

طبيب قرية الصبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

طبيب قرية الصبي

مُساهمة من طرف حسب الرسول الطيب الشيخ في الثلاثاء فبراير 28, 2012 12:20 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
طبيب قرية الصبي

عندما يرجع الآن بذاكرته إلى تلك الآيام المواضي، يتأكد له أن ذلك كان في مما يلي النصف الثاني من عقد السبيعنات في القرن الماضي، حيث كان الصبي يتردد كغيره من أترابه على المدرسة الابتدائية، كانت المدرسة لا تبعد كثيرا عن بيت الصبي، الآن هو يرى هذا ويتأكد منه تماما؛ آأوه لطالما كان يرى هذه المسافة القصيرة بعيدة جدا، لذا كان يقصد إلى التبكير، قبل أن يرن جرس المدرسة فيضطره إلى العدو السريع حتى يصل قبل أن يقدم عليهم ذلكم الأستاذ الذي كان يبادر إلى جلد المتأخرين عن الطابور الصباحي

لطالما رسخت تلك الصورة في ذهنية الصبي، كان الأستاذ يستلذ بمعاقبة الطلاب، فإن لم يتأخر منهم أحد كان ذلك من دواعي إحباطه وأنه لم يظفر اليوم بصيد!، لذا عليه تعويض ذلك بافتعال مشاجرة مع بعض طلبته حتى ينيل مبتغاه بعقاب طالب أو طالبين فيستروح بذلك ويرضي غرور الحاكمية الذي يتلبسه!

الآن هو يذكر جيدا أنه كان يعاني المرض أحيانا، لذا عليه أن يتوجه إلى مكتب المعلمين قبيل حلول وقت الطابور الصباحي، وذلك بغية تسجيل اسمه في كشف الطلاب من أمثاله الذين يريدون التوجه إلى الطبيب

كان مكتب المعلمين عبارة عن حجرة صغيرة تختلف عن حجرة الدراسة الواسعة التي يتكدسون فيها وسعتهم أو لم تسعهم، كان مكتب المعلمين أشبه بثكنة عسكرية مكتوب عليها ممنوع الاقتراب أوالتصوير، ولطالما أصابته الرهبة من مجرد الاقتراب من ذلك المكان الذي يقيم فيه الجلادون بوجوههم المكفهرة، فلربما يبدأ وجه من هنا أو هناك لأحد هؤلاء المعلمين فينذر بالصياح لسبب أو لآخر فيدخل الصبي في مشكلة قد تسوق إلى جلدة مميزة يقوم بها هذا المعلم أو ذاك، فهاهنا نحن نحب النظام ومن يبدر منه شيء خلاف ذلك فهو حقا يستحق العقاب،

كان الصبي يعرف أن هذا الأجراء يسير وفق النظم والضوابط التي تسير عليها المدرسة، لذا يكون في حالته الطبيعية عندما يهم بالتوجه لمكتب المعلمين لطلب خدمة التسجيل في الكشف الصباحي المتجه لمقابلة الطبيب، ولكن رغما عن ذلك كانت تلك الرهبة شيء طبيعي أيضا يحسه كلما توجه تلقاء ذلكم المكتب لهذا الغرض أو غيره

كان والد الصبي هو المرشد الديني للقرية وشيخ الطريقة الصوفية فيها، لذا اعتاد الصبي ان يشاهد معلميه واساتذته وهم يقدمون على والده تكرارا ومرارا ويتبادلون معه الأحاديث الودية، فكان هذا أحد الأسباب التي تقلل من رهبته التي يحسها في نفسه تجاه المعلم، دون ان تتلاشى هذه الرهبة أو تقل كثيرا، لأن والده أيضا كان يوحي إليه باحترام المعلم، ولطالما سمعه وهو يترنم ويقول : من علمني حرفا صرت له عبدا، وقف للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا!، لذلك لم تستطع تلك المكانة التي يتمتع بها والده عند المعلمين؛ لم تستطع أن تقلل كثيرا من الرهبة التي يعانيها الصبي، بل ظل ولأجل مديد يحسب أن قول أي من معلميه هو الفصل والحق الذي لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

وجد الصبي نفسه وجها لوجه أمام المعلم المسؤول عن دفتر العيادة

المعلم رغم انه يعرف الطالب معرفة شخصية وعائلية يبادره بالسؤال وهو مكفهر الوجه :

- الأسم ؟

- الطالب : ..............

- مما تشكو ؟

- ..............

- أنتظر في الخارج حتى تكتمل القائمة

وهكذا انصرف الصبي صاغرا إلى خارج حجرة المكتب، مستدفئا بأشعة الشمس الحريرية التي بدأت تتسلل إلى الجدار الخارجي لحجرة المكتب، فيشعر معها بشيء من الدفء الذي يعينه على مقاومة لسعات البرد التي ظل يتلقاها منذ خروجه من منزله متوجها إلى مدرسته، غير أبه بما سوى ذلك في هذه الدنيا العريضة المليئة بالمتناقضات والأحلام والآمال والإحباطات والاشتجار بين أهلها ما تعاقب عليها الليل والنهار!

آخر شخص يسجل بقائمة الكشف الصباحي هو من يحمل الدفتر بين يديه ويتبعه الآخرون، حتى وصلنا إلى حجرة العيادة الصحية، حيث يقبع بداخلها شخص مكتنز قد لبس قميصا أبيضا ورداءً رماديا، وأخفى عينيه وراء نظارة سوداء، وبدأ جالسا مكفهر الوجه على كرسي وأمامه منضدة عريضة ملئت بالأدوات الطبية، بينما تفوح روائح الأدوية النفاذة لتشيع جوا مميزا يملأ تلك الغرفة

ما كاد الوفد يصل حتى أستلم ذلك الشخص الذي يقال له الحكيم الدفتر وقبض عليه بكلتا يديه، ووضعه على المنضدة التي يجلس عليها وبدأ فورا بنده الإسم الأول

حمد الصبي ربه في نفسه أنه لم يكن ذلك الأول، وجعل يتطلع إلى ما قد يفعل بهذا المسكين، وبدا له الحكيم مثل جزار يشحذ سكينه ليرح بها ذبيحته

كان الصبي شديد الخوف من تناول الدواء عن طريق الغرز بالابرة، وكان يحب أن يتناول الدواء شرابا أو أقراصا خاصة إذا ما كانت ملونة بألوان جاذبة أو ذات طعم حلو شبيه بطعم السكر، غير أنه أضطر مرارا إلى لعق شراب مر أو تناول أقراص مرة المطعم يتجرعها ولا يكاد يسيغها، وكان يفضل أن يظل على مرضه من أن يتعرض لغرز الإبر، الذي طالما تفنن ذلكم الحكيم في القبض عليه بإحكام لينفذ الإبرة بقسوة وإسراع غير آبه بردود فعل الصبي الذي بزعمه لا يعي مصلحته الكائنة في تعاطي الدواء

كان للحكيم موقدا يطلق عليها الأهالي (بابور الجاز)، وكان يعمد إليها صباح كل يوم ليوقدها ويغلي عليها ماء قراحا يضع بداخله تلك الابر المسكينة التي لا يملك سواها فهو يستخدمها كل يوم ثم يعيد غليها لتستخدم مرة أخرى، كان الصبي يحس ان تلك الابر تشتكي إلى طوب الأرض من كثرة الاستخدام ومن وحشية ذلكم الرجل الذي يطلق عليه الأهالي لفظة الحكيم، يقولونها مستبشرين وكأنهم يشيرون إلى مدى علو هذا الرجل ومكانته الاجتماعية والعلمية عندهم

كان في كل مرة يقدم الصبي إلى طبيب القرية يطمع أن ينال عطف منه فيجيزه بكتابة تعليق كان محببا لدى كل الطلاب قاصدي خدمة الطبيب، (علاج وراحة ثلاثة أيام)، إلا أنه كان يحبط في كل مرة، وفي إحدى تلك المرات صارح الطبيب بأنه يستعطفه ليكتب له علاج وراحة، لكن الطبيب انتهره قائلا : سوف أكتب لك مستهبل إذا لم تكف عن هذا، وهذا يعني ضمنا أن الصبي ربما يتعرض لعقاب أو توبيخ من معلمه وربما يتم حرمانه من هذه الخدمة حالما يطلبها مرة أخرى

لذلك في بعض المرات كان الصبي يكمل يومه الدراسي على مضض، ثم يتوجه إلى منزله في آخر اليوم وهو معتل لا تكاد تحمله أقدامه، فتستقبله أمه بتحنان زائد وتقوم على بعض الاجراءات التي تنسب إلى الطب الشعبي فيتلقى بعض الأكل والشراب الذي يتم تعاطيه لمظنة التطبيب، وربما أرسلت الوالدة إلى جارتنا فتأتي وهي مسرعة لتحكي الكثير من صنوف هذه الأشياء ( جردقة، تريبة، شراب ليمون، قرظ ، كمون ..إلخ) زاعمة أن إبن فلانة تلقاها وهو مصاب بكيت وكيت فلم يبرح بعد تناولها أن تحسنت حالته وشفي من يومه أو ساعته!، وكان الصبي يستمتع بسماع هذه المحاورات التي تتم وأنه الآن أصبح مركز الاهتمام، وفي المساء يأوي الصبي إلى حجر والده ليتلقى عنه رقية من آيات القرآن لطالما استمتع بهذه التجربة، إذا يتيح له القرب من والده أن يتنسم تلك العطور التي تهب عليه من والده فيجد فيها لذة ويشعر بروحانية وجلال معها، ثم يرسله والده إلى أمه مسرا لها بكلمات في أذنها، فتقوم بعدها بصنع بعض الاجراءات المنسوبة إلى الطب النبوي والتطبب الشعبي، فيعرف الصبي ضمنا أن هذه الأفعال ترجمة لوصايا والده، حتى إذا سرى شيء من الليل أرسل والده قدحا من اللبن فيغتنم الصبي هذا الاهتمام الزائد ليعيد ثقته في محبة والده له الذي طالما زجره أو ضربه خاصة إذا ما بدأ عنه تأخير أو تكاسل في أداء الصلوات أو غيرها من الآداب التي كان يجب عليه الالتزام الصارم بها!، حتى إذا ما هجس الناس وآووا إلى مضاجعهم يرقب الصبي والدته وهي تتجه إلى المنضدة فتتناول وعاء قد صب فيه زيتا خلط بحبوب الشاي والملح فتدلك به جلد الصبي فتعمه به وهي تردد التعاويذ والأدعية وتذكر أسماء الأولياء والصالحين : " يا أب كم من السم ، يا الكباشي من الماشي ، يا ود رية من أم قضية، يا عين يا عنية يا خاينة يا نصرانية، أخرجي " فيسلم الصبي نفسه للنوم ليستيقظ فيجد نفسه وقد استرد عافيته وطابت له الأطعمة التي كانت له بالأمس معافة لا يستطيع أن يتناول منها إلا جرعا يسيرة على إلحاح من أمه وإخوانه وأصدقائه وهم يتحلقون من حوله.

وما يكاد الصبي يفرح بعافيته ويستلذ هذا الاهتمام الزائد، إلا وتشخص أمامه حقيقة أن يقوم بالذهاب إلى مدرسته لطالما بلغ العافية!، فينهض متثاقلا، حاملا رجليه إلى ذلك المكان الذي مثل له حياته بحلوها ومرها في ذلك الأوان، والآن هو يذكره على وجه الإعزاز والإمتنان وهويقول :

(هو معهدي فلئن شغلت بمدحه ؛ فأنا أبن سرحته الذى غنى به

سبق الهوى عيني في مضماره ؛ وجرى وأجفل خاطري من بابه

ما زلت أغدو في الشباب واغتدي، ما بين بخ ويا مرحى به)



حسب الرسول الطيب الشيخ
hsbelrsol@gmail.com
00249923910076

avatar
حسب الرسول الطيب الشيخ
Admin

عدد المساهمات : 209
تاريخ التسجيل : 25/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islam.sudanforums.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى