منتديات الثقافة الإسلامية العالمية
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
التبادل الاعلاني

(هـ) الحفاظ على الضرورات الست:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

(هـ) الحفاظ على الضرورات الست:

مُساهمة من طرف حسب الرسول الطيب الشيخ في الأحد مارس 20, 2011 1:38 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

(هـ) الحفاظ على الضرورات الست:

الأصل الخامس الذي جاءت به الشريعة المطهرة لإقامة بنيان الأمة الإسلامية هو الحفاظ على الضرورات الست
والتي لا بقاء لمجتمع وأمة إلا بالحفاظ عليها
وهذه الضرورات الست هي:

الدين،
النفس،
النسل،
العرض،
العقل،
والمال.

وهذا تفصيل لمنهج الشريعة المطهرة على الحفاظ على هذه الضرورات.

أولاُ: الحفاظ على الدين:

الدين ضرورة للإنسان،
لأنه لا نجاة للإنسان من عذاب الله وعقوبته إلا بالدين
ولا فلاح له في الدنيا والآخرة إلا بأن يعرف ربه ويؤمن به ويعبده على النحو الذي شرعه سبحانه وتعالى
وبدون الدين يكون الإنسان سائمة وحيوانا بل أحط؛
لأن الحيوان والأنعام قد خلقها الله لمهمة وهي قائمة بها تسخيرا وتذليلا من الله سبحانه وتعالى،
وأما الإنسان فإنه خلق ليعبد الله اختيارا وطواعية
فمن عبد الله فقد عرف مهمته وغايته ومن أعرض عن ذكر ربه فقد أعرض عن حياة نفسه وغاية وجوده،
وبذلك كان أحط دركا من الحيوان.

ولذلك قال تعالى:
{ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الإنس والجن لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179).

ولما كان الدين بهذه المثابة والأهمية فإن الله سبحانه وتعالى قد شرع من الشرائع ما يحافظ على هذا المقوم الأساسي للفرد والأمة ومن هذه التشريعات:

أ) جعل الرضا والاقتناع هو سبيل الدخول في الدين،
والنهي عن الإجبار والقهر
كما قال تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (البقرة:256). وهذه آية مدنية من آيات سورة البقرة وهي نص واضح أنه لا يجوز إجبار أحد للدخول في الدين.
وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة،
والآيات في هذا المعنى كثيرة مكية ومدنية
كقوله تعالى:
{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل:125).

وقوله تعالى:
{لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر} (الغاشية:22،24).

وقوله تعالى:
{إن عليك إلا البلاغ}.

ولا يخالف هذا أمر الله سبحانه وتعالى بقتال العرب حتى يسلموا بعد نزول براءة وفيها قوله سبحانه وتعالى:
{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد. فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (التوبة:5)،

وذلك أن هذه الآيات في العرب خاصة الذين اختارهم الله لرسالته ونزل القرآن بلغتهم، وأعذر الله إليهم في البيان وظهرت لهم الحجة وشاهدوا معجزات النبي، وتحداهم الله أن يأتوا بمثل سورة واحدة من سور القرآن فعجزوا، وأمهلهم الله قبل نزول هذه الآيات عشرين سنة كاملة أو تزيد ولم يصبح لهم عذر بعد ذلك في الكفر، وإنما هو العناد فقط
ولذلك أمر سبحانه وتعالى بقتالهم وقتلهم حتى يسلموا ويقيموا الصلاة والله سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يريد.

وأما غير العرب فإنه لا إجبار لأحد منهم في الدخول في الدين،
وإنما الغاية فقط من قتالهم هي أن تكون كلمة الله هي العليا في كل الأرض وأن ينضووا تحت لواء الأمة الإسلامية وإن بقوا على كفرهم وشركهم ما داموا مسالمين دافعين للجزية المفروضة عليهم.

* والمهم هنا أن الله سبحانه وتعالى جعل الدخول في الدين اختيارا حتى تطمئن له القلوب وترتاح له النفوس، ويدخل من يدخل فيه اقتناعا وحبا.


ب) قتل المرتد:
وشرع الله سبحانه وتعالى القتل للمرتد عن الإسلام وذلك حماية لجناب الدين، وحفاظا على هيبته، وقطعا لدابر المفسدين الذين يمكن أن يلجأوا إلى الدخول فيه لمعرفة أسرار المسلمين وكشف عوراتهم، ثم الردة بعد ذلك

ولو لم يجعل تشريع قاطع لدابر هذا الفساد لأدى ذلك إلى خلخلة صفوف المؤمنين وهدم كيانهم،
كما أراد اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
حيث يقول الله عنهم:
{وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذين أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران:72).

وهذه خطة خبيثة أراد بها اليهود التشكيك في دين الرسول صلى الله عليه وسلم وتمزيق صف المسلمين،
ولذلك جاء التشريع بقتل المرتد عاصماً من تلاعب المتلاعبين بالدين.
فقال صلى الله عليه وسلم:
[من بدل دينه فاقتلوه]
وقال أيضا:
[لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (رواه البخاري ومسلم).


ج) جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم:

ومما شرعه الله أيضا للحفاظ على الدين أن جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم ومسلمة
كما قال صلى الله عليه وسلم:
[من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان] (صحيح الجامع).

(ومن) هنا من صيغ العموم وتشمل الذكر والأنثى ولذلك قال تعالى:
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}.

وهذا معناه أن تكون الأمة جميعا متضامنة متعاونة متحابة، آخذة على يد السفيه، مانعة أي انحراف عن الدين،

وهكذا يكون الحفاظ على الدين مسئولية كل أحد في هذه الأمة.

هذا إلى جعل تبليغ الدين، ونشر رسالته هي مهمة الأمة كلها.

كما قال سبحانه وتعالى:

{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران:110).

وقوله سبحانه وتعالى أيضا:

{ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104).

وبذلك تعيش الأمة كلها لدينها وعقيدتها.
بل قد جعل الله الموت في سبيل الحفاظ على الدين هو الشهادة والجائزة.
كما قال صلى الله عليه وسلم:
[من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله] (متفق عليه).
ومعنى هذا أن من قاتل لغير ذلك فليس في سبيل الله.


* ولو ذهبنا نستقصي ما شرعه الله سبحانه وتعالى للحفاظ على الدين الذي هو المقوم الأول لحياة الفرد والأمة لتوسع الموضوع جدا.
والمقصود هنا البيان والتدليل أن الشريعة الإسلامية قد رسمت أفضل السبل للحفاظ على الدين وصونه في الأمة
وذلك لأن الدين هو الحياة والنجاة والفلاح،
والكفر هو الموت والخسارة والبوار.


ثانياً: الحفاظ على النفس:

جعل الله النفس الإنسانية مخلوقاً مكرماً عنده،
فآدم أبو البشر خلقه الله بيديه وأسجد له الملائكة،
وفضل ذريته على كثير مما خلقه،

ولذلك شرع الله من التشريعات ما يحافظ على النفس الإنسانية فقد جعل الله سبحانه وتعالى العدوان على النفس الإنسانية بالقتل جريمة كبرى
بل لا أكبر منه بعد الشرك كما قال سبحانه وتعالى تعقيبا على قتل أحد ولدي آدم لأخيه:
{من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة:32).

وقال أيضا سبحانه:
{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (النساء:93).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[لزوال السموات والأرض أهون عند الله من إراقة دم عبد مؤمن] (صحيح الجامع:4953).

وجعل حرمة العدوان على النفس واحدة
فالمرأة كالرجل والطفل كالشيخ والغني كالفقير،
وجعل سبحانه وتعالى القصاص عقوبة للعدوان على النفس بالقتل ردعا لهذه الجريمة،
وجعل وأد البنات وهو ما كانت تزاوله الجاهلية الأولى من أكبر الكبائر،
قال تعالى:
{وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت} (التكوير:8،9).

ولا شك أن العدوان على الجنين في بطن أمه بعد أن يتخلق وتنفخ فيه الروح كذلك
لأنه بذلك يصبح نفسا إنسانية والعدوان عليه في البطن لا يختلف عن العدوان عليه بعد الولادة.

ولم يبح الله سبحانه وتعالى قتل النفس البشرية بعد أن تسلم إلا في جرائم محدودة،
وأما الكافر فإنه لم يبح قتله وقتاله إلا إذا كان محاربا معتديا فقط،
وجعل سبحانه وتعالى أولاد المشركين ونساءهم ومن لم يحارب منهم معصوم الدم.


وهذه التشريعات جميعا للحفاظ على النفس البشرية التي خلقها الله مكرمة وخلقها لمهمة عظيمة قد أسلفنا بيانها فيما مضى.


ثالثاً: الحفاظ على النسل:

وأما المقوم الثالث من المقومات للمجتمع الصالح والأمة الصالحة فهو النسل؛
ولا نعني بكلمة النسل هنا مجرد الولادة والإنسان
لأن للإنسان ميزة خاصة عن سائر الحيوانات في النسل
وهو صلات القربى التي تسمى في الشريعة بالأرحام
فالأبوة والبنوة والأخوة والأمومة والعمومة والخئولة..
هذه الصلات التي تقوم بين أبناء الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة؛
ثم القبيلة ثم الشعب؛
هي التي يتوقف عليها وجود أمة صالحة: يترابط أفرادها. وكذلك وجود فرد صالح تنمو فيه المشاعر الإنسانية كالرحمة والفداء، والعطف، والشعور بالمسئولية، نحو الآخرين.
ويظهر هذا جليا فيما لو تصورنا نسلا إنسانيا لا يقوم على أساس الزواج الشرعي،
وإنما عن طريق الإنجاب والشيوعية الجنسية،
حيث ينشأ الطفل لا يعرف أباً بعينه ولا أماً ولا أخاً ولا عماً ولا خالاً.
إن مثل هذا النسل ينشأ مبتوت الصلة عن العواطف والمشاعر
فهو لا يعرف الشعور بالحب نحو الأب والأم
ولا يشعر بشعور التراحم والتكافل الذي ينشأ بين الإخوة والأخوات ومع الأعمام والأخوال.. الخ
ولذلك فالنسل الذي نعنيه هنا والذي هو قوام الأمة الصالحة التي يبتغي الإسلام إنشاءها هو النسل الذي شرع الله له من التشريعات ما يجعله نقيا نظيفا طاهرا

ولذلك شرع الزواج وحرم السفاح والزنا،
وجعل للزواج شروطا لا تصح إلا به
ومن ذلك تحريم مجموعة من النساء الذين يدخلون في دائرة الأرحام وهن:
الأم والبنت والأخت والعمة والخالة، وبنت الأخ وبنت الأخت وأم الزوجة وبنت الزوجة، وما يحرمه الرضاع وهو يماثل ما يحرمه النسب،
لقوله صلى الله عليه وسلم:
[يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب].

وهكذا شرع الإسلام طريقا سليما لنسل نظيف يعرف الإنسان فيه نسبه ونسبته، حتى لا يكون الإنسان في المجتمع والأمة رقما من الأرقام كما هو الحال في مزارع الدواجن والبهائم.

وقد شرع الإسلام عقوبات زاجرة شديدة الزجر
فجعل الرجم عقوبة للزاني المحصن (هو الذي سبق له الزواج)
والجلد عقوبة للزاني البكر كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في مسلم: [خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام].

وشرع أيضا ربنا سبحانه وتعالى عقوبة رادعة لمن ينشر جريمة الزنا عن طريق سب الأشخاص أو اتهامهم بالزنا لما في ذلك من تعريف للغافل وهدم لسمعة النظيف الطاهر فقال سبحانه وتعالى:
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} (النور:4).

وهكذا قطع الإسلام الطريق على الفساد الأخلاقي الذي يؤدي إلى انتشار الزنا، وكثرة أولاد السفاح
وكل ذلك لإنشاء الأمة ذات النسل النظيف الصالح.

وناهيك بما شرعه الله سبحانه وتعالى سدا لذريعة الزنا من إيجاب الحجاب، وإيجاب الاستئذان قبل الدخول، وتحريم الخلوة بالأجنبية وسفر المرأة دون محرم وغير ذلك مما شرعه الله سدا لذريعة الزنا.

وكل ذلك من أجل الحفاظ على النسل.


رابعاً: الحفاظ على العرض:

جاءت الشريعة أيضا بالحفاظ على العرض،
والمقصود بالعرض هنا هو النفس المعنوية للشخص،
فكما حافظت الشريعة على النفس المادية وحرمت العدوان على الدم كما مضى في (ثانيا)
فإنها جاءت أيضا بالحفاظ على نفس الإنسان المعنوية
وهي سمعته، وكرامته وعرضه،
فجعلت سباب المسلم فسوقا،
وحرمت الغيبة والنميمة،
والغمز واللمز،
والطعن في الأنساب،
وتفاضل الناس في اللون أو الموطن أو الجنس
وجعلت العقوبات على التعدي على هذه الأمور عقوبات تعزيرية متروكة لحكم الحاكم واجتهاده،
وذلك ليقرر فيها العقوبة المناسبة

ولكن الشريعة فرضت عقوبة وحدا مقررا منصوصا عليه في القرآن والسنة، وهو حد القاذف وهو الذي يتهم غيره بالزنا.
قال تعالى:
{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون}
ولا شك أن حكم قذف المحصن كحكم قذف المحصنة لأن كلا من الرجل والمرأة يتضرر سمعته بذلك،
وقد قام الإجماع على أن المرأة والرجل سواء في هذا الحكم
ولا شك أن الحكمة من مشروعية حد القذف هي الحفاظ على الأعراض حتى يعيش الفرد في مجتمعه المسلم آمنا على عرضه.

كما يجب أن يأمن أيضا على دينه، ونفسه، وماله.

ولا ينافي ذلك أن حد القذف للحفاظ على النسل إذ هو للأمرين معا الحفاظ على النسل سداً للذريعة،
والحفاظ على العرض بالأصالة،

وحد القذف أيضا يشمل الشهود الذين يشهدون بالزنا على شخص ما دون أن يكونوا أربعة مجتمعين
فلو أن ثلاثة شهدوا بالزنا ولم يأتوا برابع معهم فإنهم يحدون حد الفرية.
وكذلك يشمل هذا الحد من قذف المحدود في الزنا أيضا،
ومن قذف ولد الزنا
علما بأن هؤلاء قد يكونون صادقين فيما قالوه ولكن لقطع قالة السوء،
ودابر الشر
فإن الشريعة الحكيمة قد جاءت بالعقوبة لكل هؤلاء.

وهكذا نرى أن الشريعة الإسلامية قد جاءت بما يحافظ على الأعراض، ويصون كرامة الأشخاص رجالا كانوا أو نساء،
وكل ذلك من أجل إقامة الأمة الإسلامية والمجتمع المسلم النظيف الطيب
وقد عرفنا أن هذه غاية من غايات التنزيل السماوي.


خامساً: الحفاظ على العقل:

والضرورة الخامسة التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها هي ضرورة العقل.
ونعني بالعقل هنا هذا السر الدخولي في الإنسان
الذي يملك به التمييز ويفهم به الأشياء
ولا شك أن مكانه القلب،
وإن كان المخ هو مكان تجمع المعلومات واتصال كافة الأحاسيس
قال تعالى:
{ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الإنس والجن لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} (الأعراف:179).

وعقل الإنسان يضيع بالسكر، ويتعطل به،
ولذلك سمي المسكر خمرا لأنه يخامر العقل ويستره.

ولذلك جاءت الشريعة الحكيمة بتحريم شرب الخمر
لما يؤدي إليه شربها من ستر العقل وتغطيته،
وذلك حفاظا على هذه الحاسة الجليلة والسر والعظيم الذي أضحى به الإنسان إنساناً،
فشرعت لذلك عقوبة رادعة
وهي الحد أربعين جلدة (على الراجح والصحيح)
وحرمت كل سبيل يوصل بها إلى الخمر
كما قال صلى الله عليه وسلم:
[إن الله لعن في الخمر عشراً:

زارعها
وعاصرها،
ومعتصرها
وبائعها
ومبتاعها
وشاربها،
وحاملها
والمحمولة إليها،
وساقيها
وشاربها].

وحرم كذلك كل ما يفتر العقل كما جاء في الحديث:
[نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر] (رواه الإمام أحمد وانظر صحيح الجامع (6854))،

وهذا يدخل فيه كل ما يخدر الجسم وينيم العقل والإحساس.

وكل ذلك ولا شك للحفاظ على العقل الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة.


* وأما العقل الذي هو ملكة الفهم، وقواعد الإدراك
فإن الإسلام قد جاء أيضا بما يحافظ على سلامة الفهم
فنهى عن نشر الخرافات والخزعبلات، والأوهام
وأمر أن يطالب كل أحد بدليل ما يقول.
ونهى عن السحر والكهانة وادعاء علم الغيب، والاتصال بالجن وكل ما من شأنه أن يشوش الفهم السليم، ويصرف العقل عن مساره الصحيح.

وفرض في بعض هذه الأمور عقوبات رادعة،
وإن كان بعضها يدخل في باب الحفاظ على الدين،
لأن بعضا منها قد يؤدي إلى الردة والكفر
ومعلوم أن حد الردة قد شرع حفاظا على الدين.


سادساً: الحفاظ على المال:

المال قوام الحياة ولا قيام لإنسان ولا بقاء له إلا بالمال فهو الطعام والشراب والسكن والعدة والعتاد.
وقد وصفه الله بذلك فقال:
{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} (النساء:5)

فالمال قوام الحياة.

وقد شرع الله سبحانه وتعالى من التشريعات ما يكفل الحفاظ عليه، وتنميته بكل وسيلة صالحة،
فأباح الله للمسلمين أن ينموا أموالهم بالزراعة، والصناعة، والرعي، وإحياء الموات واستخراج المعادن، والصيد، والتجارة، والإجارة، والمشاركة والمقارضة،

ووضع التشريعات التي تكفل تنظيم كل ذلك حتى لا يطغى شريك على شريك، ولا عامل على صاحب عمل، والعكس،
ولا البائع على المشتري والعكس،
ولا المستأجر على المؤجر والعكس

وكل ذلك في نظام تشريعي يكفل العدل وتوزيع الثروة، وقيام الحافز وشحذ الهمة للربح والعمل.

• كما جعل للفقراء نصيبا في مال الأغنياء بالصدقة والزكاة حتى يتم التكافل والتحابب والتعاون، وتسد خصلات الناس جميعا.

• ونهى سبحانه عن كل من شأنه أن يكون أكلا لأموال الناس بالباطل كالرشاوي والقمار، والرهان،
وحرم الربا لما يجر من فساد في المجتمع بحيث يجمع الثروة في أيدي طائفة من المرابين الرأسماليين فقط،

والربا لا شك أنه مصدر الكوارث الاقتصادية والفساد الاجتماعي هذا في باب تنمية المال بالطرق المشروعة وتحريم الكسب الخبيث.


• وأما ما شرعه الله سبحانه وتعالى للحفاظ على المال، فكثير جدا، فمن ذلك سن الله سبحانه حد السرقة ليكون هذا رادعا عن العدوان على المال الخاص أو العام
ولا يخفى ما للسرقة من هدم للثروات. لأنه بانتشار السرقة يحجم الناس عن إخراج المال للعمل والاستثمار،
وينفق الناس كثيرا من الأموال في الحراسة هذا إلى ما للسرقة من هدم للمجتمعات وإشاعة للخوف بين الناس
ولذلك كانت العقوبة الشرعية لجريمة السرقة عقوبة زاجرة رادعة وهي قطع اليد،

وجاءت الشريعة بما هو أشد من ذلك أيضا وهو قطع الأيدي والأرجل من خلاف
وذلك لمن يتجرأ على قطع الطريق وإخافة السبيل
وذلك لما لهذا من آثار مدمرة على اقتصاد الأمة حيث يمنع الناس من السفر بأموالهم والضرب في الأرض للتجارة.
قال تعالى:
{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} (المائدة:33).

ولم تكتف الشريعة المطهرة بسن هذه العقوبات الزاجرة فقط حفاظا على المال بل منعت أيضا من تمكين السفيه للتصرف في المال من أجل صغره أو من أجل عقله كما قال تعالى:
{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم} (النساء:5).

ونهى سبحانه وتعالى عن الإسراف والتبذير كما قال تعالى:
{وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}
وقال تعالى أيضاً:
{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا}.

وهكذا نجد أن الشريعة الكاملة المطهرة قد جاءت بالحفاظ على المال بكل سبيل، وتنميته بكل طريق صالح وحمايته من الضياع أو السرقة.

وذلك لأن المال قوام الحياة.


الخلاصة:
هذه باختصار المقومات الست التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها حفاظا وإقامة للأمة الصالحة التي هي هدف من أهداف الرسالة السماوية والتشريع الإلهي.

وخلاصة ذلك أن الشريعة التي أرست أساس الأمة الصالحة وذلك بأن جعلت لهذه الأمة هدفا ساميا وعظيما في الحياة وهو

القيام بعبادة الله وحده سبحانه الذي هو غاية الوجود

فجعلت تصورها للرب، والكون والحياة واحدا،
ورسمت لها شريعة واحدة في كل شئون الحياة
ليكون عملها واحدا وصراطها في هذه الحياة صراطا واحدا.

وجعلت محبة المسلم للمسلم فرضا،
كما قال صلى الله عليه وسلم:
[لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم] (رواه مسلم).

وشرعت من التشريعات ما يجعل المؤمنين متوادين متراحمين كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر،
وحرمت الفرقة والخلاف بكل سبيل
ووضعت عقوبات زاجرة لكل من اعتدى على مقوم من مقومات الحياة الأساسية وهي

"الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعرض، والعقل،

وبذلك كفلت للمسلم الذي يعيش في وسط الأمة الإسلامية المطبقة لشريعة الله أن يكون آمنا على دينه ونفسه وماله ونسله، وعرضه وعقله"

وبذلك يعيش الناس السعادة الممكنة والمستطاعة على هذه الأرض
وهذا ولا شك ثمرة معجلة من ثمار الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

قال جل وعلا:
{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

والحياة الطيبة هي الحياة في ظل مجتمع يطبق شريعة الله كما أنزلت
ويكون الفرد فيها عضوا من أمة الإسلام العظيمة التي أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس.


(4) كيف أقيمت هذه الأمة قديما، وكيف تقام الآن.
من أين نبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية؟

* بعد هذا العرض السريع لمقاصد الشريعة الإسلامية وغاياتها في الحياة يسهل علينا معرفة نقطة البدء في تطبيق الشريعة الإسلامية وهي باختصار:

البناء:

إن أول عمل يجب علينا فعله أن نبني الفرد الصالح، والأمة الصالحة، قبل أن نشرع في الهدم.
وذلك أن البناء القائم الآن فاسد لا شك فمعظم أفراد الأمة لا تنطبق عليهم مواصفات المسلم الصالح
ومعظم نظم الأمة وقوانينها تخالف الإسلام،
ولا شك أن البدء بالهدم وملاحقة الفساد سيحول المصلحين إلى جلادين
ويحول الحكومة الإسلامية إلى حكومة بوليسية عسكرية
وليس إلى حكومة ربانية إسلامية.

يجب علينا أولا إرساء العقيدة، وبناء التوحيد، وغرس الإيمان في القلوب والنفوس، وهدم معابد الشرك والوثنية، وعبادة غير الله، وجمع الأمة على كلمة سواء كما قال تعالى:
{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

يجب علينا إقامة بناء الدين أولا بالدعوة إلى الصلاح وعمارة المساجد، وأداء الزكاة، وبذل الخير والمعروف، ومساعدة المحتاج، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم، وتأمين الناس على دينهم ودنياهم.

يجب على أي حكم يريد أن يطبق الإسلام أن يكون أول تشريع له في التربية.. أن يعتني بالمدارس، ويضع المناهج الصالحة،ويرفع من شأن المدرس والمربي، وأن يغرس في النشء الجديد الانتماء إلى أمة الإسلام، والاعتزاز بتراث المسلمين، والفخر بأنه مسلم..

هذا هو أول عمل يجب أن يقوم به أي حاكم يريد أن يطبق الإسلام،
يجب فرض الزكاة، ونشر المحبة، والصلة بين الناس،
والتخلي عن الامتيازات الجاهلية التي يجعلها النظام الجاهلي للسلطان من ألقاب الجلالة والفخامة، والسمو والعظمة،
ومن امتيازات سلب أموال الناس بالباطل، والعدوان على المال العام للأمة والتصرف فيه كأنه مال أبيه وجده.

هذه نقطة البدء، في بناء أمة، وذلك هو مراد الرب سبحانه وتعالى ومقصد الدين والتشريع لبناء الإنسان الصالح، والمجتمع الصالح.

فهل يبدأ المصلحون من هذا المنطلق؟
وهل نعمل جميعا من أجل مراد الله؟

اللهم وفقنا إلى ذلك إنك أنت السميع المجيب.


نقلا عن كتاب المقاصد العامة للشريعة الإسلامية المؤلف : عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف


avatar
حسب الرسول الطيب الشيخ
Admin

عدد المساهمات : 209
تاريخ التسجيل : 25/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://islam.sudanforums.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى